الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
394
تفسير روح البيان
كلهم متساوون في النبوة لان النبوة شئ واحد لا تفاضل فيها وانما التفاضل باعتبار الدرجات . بلغ بعضهم منصب الخلة كإبراهيم عليه الصلاة والسلام ولم يحصل ذلك لغيره . وجمع لداود بين الملك والنبوة وطيب النغمة ولم يحصل هذا لغيره . وسخر لسليمان الجن والانس والطير والريح ولم يحصل هذا لأبيه داود . وخص محمدا عليه وعليهم السلام بكونه مبعوثا إلى الجن والانس وبكون شرعه ناسخا لجميع الشرائع المتقدمة . ومنهم من دعا أمته بالفعل إلى توحيد الافعال وبالقوة إلى الصفات والذات . ومنهم من دعا بالفعل إلى الصفات أيضا وبالقوة إلى الذات . ومنهم من دعا إلى الذات أيضا بالفعل وهو إبراهيم عليه السلام فإنه قطب التوحيد إذ الأنبياء كانوا يدعون إلى المبدأ والمعاد وإلى الذات الأحدية الموصوفة ببعض الصفات الإلهية الا إبراهيم عليه السلام فإنه دعا إلى الذات الإلهية الأحدية ولذا امر اللّه نبينا صلى اللّه تعالى عليه وسلم باتباعه بقوله ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً فهو من اتباع إبراهيم باعتبار الجمع دون التفصيل إذ لا متمم لتفاصيل الصفات الا هو ولذلك لم يكن غيره خاتما فالأنبياء وان كانوا متفاوتين في درجات الدعوة بحسب مشارب الأمم الا ان كلهم واصلون فانون في اللّه باقون باللّه لان الولاية قبل النبوة حيث إن آخر درجات الولاية أول مقامات النبوة فهي تبتنى على الولاية ومعنى الولاية الفناء في اللّه والبقاء باللّه فالنبي لا يكون الا واصلا محرزا جميع مراتب التوحيد من الافعال والصفات والذات مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ اى فضله اللّه بان كلمه بغير واسطة وهو موسى عليه الصلاة والسلام فهو كليمه بمعنى مكالمه * واختلفوا في الكلام الذي سمعه موسى وغيره من اللّه تعالى هل هو الكلام القديم الأزلي الذي ليس من جنس الحروف والأصوات . قال الأشعري واتباعه المسموع هو ذلك الكلام الأزلي قالوا كما أنه لم تمتنع رؤية ما ليس بمكيف فكذا لا يستبعد سماع ما ليس بمكيف . وقيل سماع ذلك الكلام محال وانما المسموع هو الحروف والصوت وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ اى على درجات فانتصابه على نزع الخافض وذلك بان فضله على غيره من وجوه متعددة أو بمراتب متباعدة والظاهر أنه أراد محمدا صلى اللّه عليه وسلم لأنه هو المفضل عليهم حيث اوتى ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية إلى ثلاثة آلاف آية وأكثر ولو لم يؤت الا القرآن وحده لكفى به فضلا منيفا على سائر ما اوتى الأنبياء لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات . وفي الحديث ( فضلت على الأنبياء بست أوتيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون ) * قال في التأويلات النجمية اعلم أن فضل كل صاحب فضل يكون على قدر استعلاء ضوء نوره لان الرفعة في الدرجات على قدر رفعة الاستعلاء كما قال تعالى وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ فالعلم هو الضوء من نور الوحدانية فكلما ازداد العلم زادت الدرجة فناهيك عن هذا المعنى قول النبي عليه السلام فيما يخبر عن المعراج انه رأى آدم في السماء الدنيا ويحيى وعيسى في السماء الثانية ويوسف في السماء الثالثة وإدريس في السماء الرابعة وهارون في السماء الخامسة وموسى في السماء السادسة وإبراهيم في السماء السابعة وعبر النبي عليه السلام حتى رفع إلى سدرة المنتهى ومن ثم إلى قاب قوسين أو أدنى فهذه الرفعة في الدرجة في القرب إلى الحضرة كانت له